قال تعالى : ( إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة ) هذا مثل ضربه الله لكفار قريش فيما أهدى إليهم من الرحمة العظيمة وهو بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فقابلوه بالتكذيب ( إنا بلوناهم ) أى اختبرناهم ( كما بلونا أصحاب الجنة ) هى البستان المشتمل على أنواع الثمار والفواكه ( إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ) أى حلفوا فيما بينهم ليجذنَّ ثمرها ليلاً لئلا يعلم بهم فقير ولا سائل ليتوفر ثمرها عليهم ولا يتصدقون بشئ منها ( ولا يستثنون ) أى فيما حلفوا به ولهذا حنثهم الله فى أيمانهم ( فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون ) أى أصابتها آفة السماء ( فأصبحت كالصريم ) أى الليل الأسود قال السدى مثل الزرع إذا حصد هشيماً يابساً ( فأصبحت كالصريم ) حرموا خير جنتهم ( فتنادوا مصبحين ) أى وقت الصبح نادى بعضهم على بعض ( أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين ) أى تريدون الصرم وهو الجذ قال مجاهد : كان حرثهم عنباً ( فانطلقوا وهم يتخافتون )أى يقول بعضهم لبعض لا تمكنوا اليوم فقيراً يدخلهم عليكم ( وغدوا على حرد قادرين ) أى قوة وشدة وقال مجاهد : أى جد وقال عكرمة : على غيظ وقال الشعبى : على المساكين وقال السدى : اسم قريتهم حرد ( قادرين ) أى عليها فيما يزعمون ويرومون ( فلما رأوها قالوا إنا لضالون ) أى فيما وصلوا إليه وهى على تلك الحالة قد استحالت عن تلك النضارة والزهرة وكثرة الثمار إلى أن صارت سوداء لا ينتفع بشئ منها فاعتقدوا أنهم قد أخطأوا الطريق ثم رجعوا عما كانوا فيه وتيقنوا أنها هى ( بل نحن محرمون) أى لا حظ لنا ولا نصيب ( قال أوسطهم ) أعدلهم  وخيرهم ( ألم أقل لكم لولا تسبحون 0 قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين ) أى أتوا بالطاعة حيث لا تنفع وندموا حيث لا ينفع الندم ( فأقبل بعضهم على بعض يتلومون ) أى يلوم بعضهم بعضاً عما كانوا أصروا عليه من منع المساكين ( قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين ) أى جاوزنا الحد حتى أصابنا ما أصابنا ( عسى ربنا أن يُبدلنا خيراً منها إنا إلي ربنا راغبون ) قيل : رغبوا فى بذلها فى الدنيا وقيل : احتسبوا ثوابها فى الأخرة

قال بعض السلف إن هؤلاء كانوا من أهل اليمن من قرية على ستة أميال من صنعاء وقيل : كانوا من الحبشة وكان أبوهم قد خلف لهم هذه الجنة وكانوا من أهل الكتاب وقد كان أبوهم يسير فيها سيرة حسنة فكان ما يستغل منها يرد فيها ما تحتاج إليه ويدخر لعياله قوة سنتهم ويتصدق بالفاضل فلما مات أبوهم وورثه بنوه قالوا إن أبونا أحمق إذ كان يصرف من هذا شيئاً للفقراء ولو منعناه لتوفر لنا ذلك علينا وعزموا على ذلك فعوقبوا بنقيض قصدهم فذهب المال والربح ( كذلك العذاب ) أى هكذا عذاب الله لمن خالف أمره وبخل بما أتاه الله ( ولعذاب الأخرة أكبر لو كانوا يعلمون )

المصدر تفسير بن كثير ج / 4  

قال تعالى : ( فلا تطع المكذبين 0 ودوا لو تدهن فيدهنون ) قال بن عباس لو ترخص فيرخصون وقال مجاهد : تركن إلى آلهتم وتترك ما أنت عليه من الحق ( ولا تطع كل حلاف مهين ) ذلك أن الكاذب لضعفه ومهانته إنما يتقى بأيمانه الكاذبة التى يجترئ بها وعلى أسماء الله قال بن عباس : ( المهين ) مكابر مهين ( هماز ) يعنى الإغتياب ( مشاء بنميم ) يمشى بين الناس بالنميمة ويحرش بينهم وينقل الحديث لفساد ذات البين قال صلى الله عليه وسلم : ( إنهما ليعذبان وما يعذبان فى كبير أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله وأما الأخر فكان يمشى بالنميمة ) وقال أيضاً : ( لا يدخل الجنة نمام ) ( مناع للخير معتد أثيم ) أى يمنع ما عليه وما لديه من الخير ( معتدٍ ) فى تناول ما أحل الله له ليتجاوز فيها الحد المشروع ( أثيم ) يتناول المحرمات ( عُتُلٍ )هو اللفظ الغليظ الصحيح الجموع المنوع ( زنيم ) قال رجل من قريش له زنمة مثل زنمة الشاة والمعنى أنه كان مشهوراً بالسوء كشهرة الشاة ذات الزنمة بين أخواتها قال بن عباس : ( زنيم ) الدعى الفاحش اللئيم 

قيل : هو الأخنس بن شريق الثقفى وقيل : الأسود بن عبد يغوث الزهرى قال بن عباس : ( زنيم ) الملحق بالنسب وقال سعيد هو الملصق بالقوم وليس منهم وقال عكرمة : هو ولد الزنا وعن سعيد بن جبير قال : الزنيم يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها وقال أبو رزين : الكفر وقال عكرمة : الذى يعرف باللؤم  ( أن كان ذا مال وبنين 0 إذا تُتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين 0 سنسمه على الخرطوم ) قال قتادة شئ لا يفارقه أخر ما عليه وفى رواية سما على أنفه وقيل نسود وجهه يوم القيامة   

قال تعالى : ( ما أنت بنعة ربك بمجنون ) أى لست ولله الحمد بمجنون كما يقول الجهلة من قومك المكذبون بما جئت به من الهدى ( وإن لك لأجراً غير ممنون ) الأجر العظيم والثواب الجزيل الذى لا ينقطع ( وإنك لعلى خُلق عظيم ) قال بن عباس :  لعلى دين عظيم وهو الإسلام ؛ وقال عطية : لعلى أدب عظيم وهو الإسلام 0

عن قتادة قال : سئلت عائشة عن خُلق رسول الله قالت : ( كان خُلقه القرآن )

وعن عائشة قالت صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم طعاماً وصنعت حفصة له طعاماً فقلت لجاريتى اذهبى بالطعام فإن جاءت هى بالطعام فوضعته قبلى فاطرحى الطعام قالت : فجاءت بالطعام قالت : فألقت الجارية فوقعت القصعة فانكسرت وكان نطع قالت فجمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ( اقتصوا أو اقتصى ) قالت فما قال شيئاً

ومعنى هذا أنه صلى الله عليه وسلم صار امتثالاً بالقرآن أمراً ونهياً سجية له وخُلقاً وترك طبعه الجبلى فمهما أمره القرآن فعله ومهما نهاه عنه ترك هذا مع ما جبله الله عليه من الخُلق العظيم من الحياء والكرم والشجاعة والصفح والحلم

عن أنس قال : ( خدمت رسول الله عشر سنين فما قال لى أف قط ولا لشئ فعلته لما فعلته ولا لشئ لم أفعله أى فعلته ) وعن عائشة قالت : ( ما ضرب رسول الله بيده خادماً قط ولا ضرب امرأة ولا ضرب بيده  شيئاً قط إلا أن يجاهد فى سبيل الله )

وقال صلى الله عليه وسلم : ( إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) ( فستُبصر ويُبصرون بأيكم المفتون ) أى فستعلم يا محمد وسيعلم مخالفوك ومكذبوك من المفتون الضال منك ومنهم ؛ قال بن عباس : ستعلم ويعلمون يوم القيامة أيكم المجنون وقال قتادة : أى أولى بالشيطان والمعنى أى الذى قد فُتن عن الحق وضل عنه ( إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ) أى هو يعلم أى الفريقين منكم ومنهم هو المهتدى ويعلم الحزب الضال عن الحق ) المصدر تفسير بن كثير ج 4

عن قتادة عن رجال من قومه قالوا أن مما دعانا إلى الإسلام مع رحمة الله وهداه لنا ما كنا نسمع من رجال يهود وكنا أهل شرك وأوثان وكان أهل الكتاب عندهم علم ليس لنا وكان لا تزال بيننا وبينهم شرور فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا أنه قد تقارب زمان نبي يُبعث الآن تقاتلكم معه قتل عاد وإرم فكنا كثيراً ما نسمع منهم ذلك فلما بُعث رسول الله أجبناه حين دعانا إلى الله وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا فبادرناهم إليه فآمنا به وكفروا به فنزلت ( ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدقاً لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفرو فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين )

قال تعالى " ( ن والقلم وما يسطرون ) " ن " قيل : هو حوت عظيم على تيار الماء العظيم المحيط وهو حامل الأرض السبع

عن بن عباس قال : أول ما خلق الله القلم قال : اكتب قال : وماذا أكتب ؟ قال : اكتب القدر فجرى بما يكون من ذلك إلى قيام الساعة ثم خلق النون ورفع بخار السماء ففتقت منه السماء وبُسطت الأرض على ظهر النون فاضطرب النون فمادت الأرض فاثبتت الجبال فإنها لتفجر على الأرض قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن أول ما خلق الله القلم والحوت وقال للقلم اكتب قال : ما أكتب ؟ قال : كل شئ كائن إلى يوم القيامة ) رواه الطبرانى فالنون هو الحوت والقلم هو القلم

عن مجاهد قال : النون الحوت العظيم الذى تحت الأرض السابعة

قال البغوى : على ظهر هذا الحوت صخرة سمكها كغلظ السماوات والأرض وعلى ظهرها ثور له أربعون ألف قرن وعلى متنه الأرضون السبع وما فيهن وما بينهن والله أعلم

قيل إن المراد ب "ن " لوح من نور قال بن جريج أُخبرت أن ذلك القلم من نور طوله مائة عام وقيل : المراد ب "ن " الدواة وخلق القلم فقال : اكتب قال : وما أكتب ؟ قال : ما هو كائن إلى يوم القيامة من معل معمول براً أو فجور أو رزق مقسوم حلال أم حرام ثم ألزم كل شئ من ذلك شأنه دخوله فى الدنيا ومقامه فيها كم خروجه منها كيف ثم جعل على العباد حفظة وللكتاب خُزاناً فالحفظة ينسخون كل يوم من الخُزان عمل ذلك اليوم فإذا فنى الرزق وانقطع الأثر وانقضى الأجل أتت الحفظة الخزنة يطلبون عمل ذلك اليوم فتقول لهم الخزنة ما نجد لصاحبكم عندنا شيئاً فترجع الحفظة فيجدونهم قد ماتوا وقال بن عباس ألستم قوماً عرباً تسمعون الحفظة ( إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ) وهل يكون الإستنساخ إلا من الأصل ؟( وما يسطرون ) قال بن عباس : ما يكتبون وقال السدى الملائكة وما تكتب من أعمال العباد

المصدر تفسير بن كثير ج / 4

القرآن الكريم

القرآن الكريم ، قراءه واستماع

شارك