لقد حذرنا الله تبارك وتعالى من أن يختل الإنسان فى مشيته على وجه الأرض لما فى ذلك من منافة لطباع الناس حيث أن المختال الذى يتباهى فى مشيته يأخذ الناس منه جانباً فلا يخالطونه ولا يحدثونه بل إنهم يحذرون من تعامله وإذا سأل عنه الناس قالوا أنه مختال أو متكبر ويحذرون الناس منه وما جاءت هذه الصفة على صاحبها إلا بوابل من الشر لذلك يقول تعالى : ( ولا تمشى فى الأرض مرحاً إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا ) أى متبختراً متمايلاً مشى الجبارين " إنك لن تخرق الأرض " أى لن تقطع الأرض بمشيتك ؛ قاله بن جرير واستشهد عليه بقول رؤية بن العجاج : ( وقاتم الأعماق خاوى المخترق ) وقوله : ( ولن تبلغ الجبال طولا ) أى بتمايلك وفخرك وإعجابك بنفسك بل قد يجازى فاعل ذلك بنقيض قصده ؛ ولقد أخبرنا الله تعالى عن قارون أنه خرج على قومه فى زينته وأن الله خسف به وبداره الأرض

قال أبو بكر بن أبى الدنيا عن الحجاج بن محمد عن أبى بكر الهذلى قال : بينما نحن مع الحسن إذ مر عليه بن الأهيم يريد المنصور وعليه جباب خز قد نضد بعضها فوق بعض على ساقه وإنفرج عنها قباؤه وهو يمشى ويتبختر إذ نظر إليه الحسن نظرة فقال : أف شامخ بأنفه ثانى عطفه مصعر خده ينظر فى عطفيه أى حميق ينظر فى عطفه فى نعم غير مشكورة ولا مذكورة غير المأخوذ بأمر الله فيها ولا المؤدى حق الله منها والله أن يمشى أحدهم طبيعته يتلجلج المجنون فى كل عضو من نعمة وللشيطان به لعنة فسمعه بن الأهيم فرجع يعتذر إليه فقال : لاتعتذر وتب إلى ربك ----- تفسير بن كثير ج 3

قال تعالى : ( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً فى الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين ) سورة القصص 83 قال عكرمة : العلو التجبر ؛ وقال سعيد بن جبير : العلو البغى ؛ وقال سفيان : الثور العلو فى الأرض التكبر بغير حق والفساد أخذ المال بغير حق --- تفسير بن كثير 3 / 416 

عن سلمة بن الأكوع قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يُكتب فى الجبارين فيصيبه ما أصابهم ) البخارى 203 وعن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يدخل الجنة من كان فى قلبه مثقال ذرة من كبر فقال ر جل إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً ؛ قال : إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس ) سلم 1 / 91 قال الجاحظ : المشهور بالكبر من قريش بنو مخزوم وبنو أمية ومن العرب بنوا جعفر بن كلاب وبنوا زرارة بن عدى وأما الأكاسرة فكانوا لا يعدون الناس إلا عبيداً وأنفسهم إلا أرباباً ؛وقيل لرجل من بنى عبد الدار ألا تأتى الخليفة ؟ فقال : إنى أخاف أن لا يحمل الجسر شرفى

قيل للحجاج بن أرطأة مالك لا تحضر الجماعة ؟ قال : أخشى أن يزاحمنى البقالون ؛ وقال المسور بن هند لرجل أتعرفنى ؟ قال : لا قال: انا المسور بن هند قال : ما أعرفك ؛ قال : فتعساً لمن لا يعرف القمر 0

قيل : لا يتكبر إلا كل وضيع ولا يتواضغ إلا كل رفيع مكاشفة القلوب للجوزى 195

فى الصحيحين أن رسول الله قال : ( من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة ؛ فقال أبو بكر يا رسول الله إن أحدشقى إزارى ليسترخى إلا أن أتعاهد ذلك منه فقال رسول الله : لست ممن يصنعه خيلاء ) البخارى 5350

إعلم أن الكبر خُلق باطن تصدر عن أعمال هى ثمرته فيظهر على الجوارح وذلك الخثلق هو رؤية النفس على المتكبر عليه يعنى يرى نفسه فوق الغير فى صفات الكمال فعند ذلك يكون متكبراً ؛ وآفة الكبر عظيمة وفيه يهلك الخواص وقلما ينفك عنه العباد والوهاد والعلماء --- مختصر منهاج القاصدين للمقدسى 206 وكيف لا تعظم آفته وقد أخبر النبى صلى الله عليه وسلم أنه لا يدخل الجنة من كان فى قلبه مثقال ذرة من كبر  

إعلم أن للعلماء والعُبَّاد فى الكبر ثلاث درجات

الأولى : أن يكون الكبر مستقر فى قلب الإنسان منهم فهو يرى نفسه خيراً من غيره إلا أن يجتهد ويتواضع فهذا فى قلبه شجرة الكبر مغروسة إلا أنه قد قطع أغصانها

الثانى : أن يظهر لك بأفعاله من الترفع فى المجالس والتقدم على الأقران ؛ والإنكار على من يقصر فى حقه ؛ فترى العالم يصعر خده للناس كأنه معرض عنهم  والعابد يعيش ووجهه كأنه مستقذر لهم وهذان قد جهلا ما أدب الله به نبيه صلى الله عليه وسلم حين قال : ( واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين ) الشعراء آية 215

الدرجة الثالثة : أن يظهر الكبر بلسانه كالدعاوى و المفاخرة وتزكية النفس ؛ وحكايات الأحوال فى معرض المفاخرة لغيره وكذلك التكبر بالنسب ؛ فالذى له نسب شريف يستحقر من ليس له ذلك النسب وإن كان أرفع منه عملاً ؛ قال بن عباس : يقول الرجل للرجل أنا أكرم منك وليس أحد اكرم من أحد إلا بالتقوى قال تعالى : ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) الحجرات آية 13 أى إنما تتفاضلون عند الله بالتقوى والأحساب ---- تفسير بن كثير 4 / 217 وكذلك التكبر بالمال والجمال والقوة ؛ وكثرة الأتباع ونحو ذلك فالكبر بالمال أكثر ما يجرى بين الملوك والتجار ونحوهم ؛ والتكبر بالجمال أكثر ما يجرى بين النساء ؛ ومن خصال المتكبر أن يحب قيام الناس له ؛ والقيام على ضربين

1- قيام على رأسه وهو قاعد فهذا منهى عنه قال صلى الله عليه وسلم : ( من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار ) البخارى 1 / 977 وهذه عادة الأعاجم والمتكبرين

2- قيام عند مجئ الإنسان فقد كان السلف لا يكادون يفعلون ذلك ؛ قال أنس : لم يكن أحب إلينا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهته لذلك وقال العلماء : يستحب أن يقوم للوالدين والإمام العادل وفضلاء الناس وقد صار هذا كالشعار بين الأفاضل فإذا تركه الإنسان فى حق من يصلح أن يفعل فى حقه لم يأمن أن ينسبه إلى إهانته والتقصير فى حقه فيوجب ذلك حقداً

ومن خصال المتكبر أن لا يمشى إلا ومعه أحد يمشى خلفه ----- مختصر منهاج القاصدين 207 إحذر أن تقع فى طيات هذا المرض فإنه آفة عظيمة تؤدى بالإنسان إلى الهلاك ؛ واحذر أن يكون ممن يجمع المال من حله وحرامه لتتكبر به على الخلائق فلا شك أن سيكون وبالاً عليك إذا فعلت ذلك واحذر أن تكون ممن يرائ الناس فى قوله أوفعله واحرص دائماً أن تكون ممن قال فيهم رب العزة ( واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين  )

نماذج من عدل الصحابة

خطب عمر بن الخطاب رضى الله عنه يوماً فقال : ( ألا وإنى والله ما أُرسل عمالى إليكم ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم ؛ ولكنى أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم وسنتكم فمن فعل به سوى ذلك فليرفعه إلىَّ فوا الذى نفسى بيده لأقصنَّه منه فوثب عمرو بن العاص فقال : يا أمير المؤمنين أفرأيت إن كان الرجل من المسلمين على رعيته فأدب بعض رعيته إنك لتقصنَّه منه ؟ قال : إى والذى نفسى عمر بيديه إذاً لأقصنَّه منه أنًّا لا أقص منه وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقص من نفسه ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم ولا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم

قال جرير : وأنا أقرب الناس من عمر بن الخطاب ثم قال : أما والله لولا النار ؟ فقال عمر صدق والله لولا النار فقال يا أمير المؤمنين إنى كنت ذا صوت ونكاية فأخبره بأمره وقال : ضربنى أبو موسى عشرين  ؛وحلق رأسى وهو يرى أنه لا يُقتص منه ؛ فقال عمر لأن يكون الناس كلهم على صرامة هذا أحب لى من جميع ما أفاء الله علينا فكتب عمر إلى أبى موسى سلام عليك أما بعد فإن فلان أخبرنى بكذا وكذا فإن كنت فعلت ذاك فى ملاء من الناس ؛ فعزمت لما قعدت له فى ملأ من الناس حتى يقتص منك وإن كنت فعلت ذلك فى خلاء من الناس فاقعد له فى خلاء من الناس حتى يقتص منك ؛ فقدم الرجل فقال له الناس : اعف عنه ؛ فقال : لا والله لا أدعه لأحد من الناس فلما قعد أبو موسى ليُقتص منه رفع الرجل رسه إلى السماء ثم قال : اللهم إنى قد عفوت عنه ؛

وعن المسيب بن درام قال : رأيت عمر بن الخطاب يضرب رجلاً ويقول حمَّلت جملك ما لا يطيق قال : ورأيته مر به سائل وعلى ظهره جراب مملوء طعام فأخذه ونشره للنواضح ثم قال : الآن سل ما بدا لك ----- منا قب عمر بن الخطاب رضى الله عنه 71 - 73

غش الإمام لرعيته وظلمه لهم

قال تعالى : ( إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون فى الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب مهين ) الشورى آية 42

قال بن جريج : أى يظلمونهم بالشرك المخالف لدينهم ( ويبغون فى الأرض بغير الحق ) أى فى النفوس والأموال فى قول الأكثرين وقال مقاتل : بغيهم عملهم بالمعاصى الجامع لأحكام القرآن 9 / 6085

إعلم أيها المسلم أن لك مع الأمراء والعمال ثلاثة أحوال

الحالة الأولى :

هى الدخول عليهم فهو مذموم جداً فى الشرع وفيه تغليظات وتشديدات تواترت بها الأخبار والآثار أما الأخبار قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( سيكون بعدى أمراء يكذبون ويظلمون ؛ فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس منى ولست منه ولم يرد على الحوض ) النسائ والترمذى وصححه الحاكم

وقال صلى الله عليه وسلم : ( ويل للأمراء ويل للعرفاء ويل للأمناء ليتمنين أقوام يوم القيامة أن ذوائبهم كانت معلقة بالثريا يعذبون ولم يكونوا عملوا شئ ) رواه أحمد فى مسنده 2 / 352 وقال صلى الله عليه وسلم : ( أيما راع غش رعيته فهو فى النار ) الألبانى فى صحيح الجامع 2713 وقال صلى الله عليه وسلم : ( ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة ) مسلم 1 / 142 قال القاضى عياض : معناه بين فى التحذير من غش المسلمين لمن قلده الله تعالى شيئاً من أمرهم واسترعاه عليهم ونصبه لمصلحتهم فى دينهم أو دنياهم ؛ فإذا خان فيما ائتمن عليه فلم ينصح فيما قلده إما بتضيعه تعريفهم ما يلزمهم من دينهم وأخذهم به ؛ و إما بالقيام بما يتعين عليه من حفظ شرائعهم والذب عنها لكل متصد لإدخال داخلة فيها ؛ أو تحريف لمعانيها أو إهمال حدودهم أو تضيع حقوقهم أو ترك حماية حوزتهم ومجاهدة عدوهم أو ترك سيرة العدل فيهم فقد غشهم --- مسلم بشرح النووى 2/ 136 قال صلى الله عليه وسلم : ( ما من أمير يلى أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة ) مسلم 2 / 142 وقال أيضاً : ( إن شر الرعاء الحطمة فإياك أن تكون منهم ) مسلم 12/ 1830 قالوا هو العنيف فى رعيته لا يرفق بهم فى سوقها ومرعاها بل يحطمها فى ذلك وفى سقيها ويزحم بعضها ببعض بحيث يؤذيها ويحطمها ---- مسلم بشرح النووى 12 / 172 وقال صلى الله عليه وسلم : ( ليأتين على القاضى العدل يوم القيامة ساعة يتمنى أنه لم يقض بين اثنين فى تمرة قط ) الألبانى فى السلسلة الضعيفة 5168 وقال أيضاً : ( ما من أمير عشرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولة يده إلى عنقه إما أطلقه عدله أو أوبقه جوره ) الألبانى فى السلسلة الصحيحة 5696 

أما الآثار : فقد قال حذيفة : إياكم ومواقف الفتن ؛ قيل وما هى ؟ قال أبواب الأمراء يدخل أحدكم على الأمير فيصدقه بالكذب ويقول ما ليس فيه

وقال أبو ذر لسلمة : يا سلمة لا تغش أبواب السلاطين فإنك لا تصيب من دنياهم شيئاً إلا أصابوا من دينك أفضل منه ؛ وقال سفيان فى جهنم واد لا يسكنه إلا القراء الزوارون للملوك ؛ وقال الأوزاعى : ما من شئ أبغض إلى الله من عالم يزور عملاً ؛ وقال عبادة بن الصامت حب القارئ الناسك الأمراء نفاق وحبه الأغنياء رياء ؛ قال أبو ذر من كثَّر سواد قوم فهو منهم أى من كثَّر سواد الظلمة ؛ وقال بن مسعود : إن الرجل ليدخل على السلطان ومعه دينه فيخرج ولا دين له ؛ قيل له : ولم ؟ قال لأنه يرضيه بسخط الله ؛ وقال الفضيل : ما زداد رجل من ذى سلطان قرباً إلا إزداد من الله بعدا 

الحالة الثانية :

أن يدخل عليك السلطان الظالم زائراً / فجواب السلام لابد منه ؛ وأما القيام والإكرام له فلا يحرم مقابلة له على إكرامه فإنه بإكرام العلم والدين مستحق للإحماد كما أنه بالظلم مستحق للإبعاد ؛ ولكن الأولى أن لا يقوم إن كان معه فى خلوة ليظهر له بذلك عز الدين وحقارة الظلم ؛ ويظهر غضبه للدين وإعراضه عمن أعرض عن الله فأعرض الله تعالى عنه ؛ وإن كان الداخل عليه فى جمع مراعاة حشمة أرباب الولايات فيما بين الرعايا مهم فلا بأس بالقياس على هذه النية ؛ وإن علم أن ذلك لا يورث فساداً فى الرعية ولا يناله أذى من غضبه فترك الإكرام بالقيام أولى

الحالة الثالثة :

أن يعتزلهم فلا يراهم ولا يرونه ؛ وهو واجب إذ لا سلامة إلا فيه فعليه أن يعتقد بعضهم على ظلمهم ؛ ولا يجب بقاؤهم ولا يثنى عليهم ؛ ولا يستخير عن أحوالهم ولا يتقرب إلى المتصلين بهم ولا يتأسف على ما يفوت بسبب مفارقتهم وذلك إذا خطر بباله أمرهم ؛ وإن غفل عنهم فهو الأحسن ؛ وإذا خطر بباله تنعمهم فليذكر ما قاله حاتم الأصم إنما بينى وبين الملوك يوم واحد ؛ فأما الأمس فلا يجدون لذته وإنى وإياهم فى غد لعلى وجل وإنما هو اليوم وما عسى أن يكون فى اليوم ؛ وما قاله أبو الدرداء أهل الأموال يأكلون  ونأكل ويشربون ونشرب ويلبسون ونلبس ولهم فضول أموإل ينظرونه إليه وتنظر معهم إليها وعليهم حسابها و نحن منها براء ؛ وكل من أحاط علمه بظلم ظالم ومعصيته عاص فينبغى أن يحط ذلك من درجته فى قلبه فهذا واجب عليه ؛ وقد يقال كان علماء السلف يدخلون على السلاطين ؛ أقول : نعم تعلَّم الدخول منهم ثم ادخل ؛ كما حكى أن هشام بن عبد الملك قدم حاجاَ إلى مكة فلما دخلها قال : ائتونى برجل من الصحابة فثقيل يا أمير المؤمنين قد تفانوا ؛ فقال : من التابعين فأتى بطاووس اليمانى فلما دخل عليه خلغ نعله بحاشية بساطه ولم يسلم عليه بإمرة المؤمنين ؛ ولكن قال السلام عليك يا هشام ولم يكنه وجلس بإزاره وقال : كيف أنت يا هشام ؟ غضب هشام غضباً شديداً حتى هم بقتله ؛ فقيل له أنت فى حرم اله وحرم رسوله ولا يمكن ذلك ؛ فقال طاووس : ما الذى حملك على ذلك ؟ قال : ما صنعت قال : وما صنعت ؟ فازداد غضباً وغيظاً  قال : خلعت نعليك بحاشية بساطى ولم تقبل يدى ولم تسلم على بإمرة المؤمنين ولم تكننى وجلست بازارى بغير إذنى ؛ وقلت كيف أنت يا هشام ؟ قال : أما ما فعلت من خلع نعلى فإنى أخلعهما بين يدى رب العزة كل يوم خمس مرات ولا يعاقبنى ؛ ولا يغضب على ؛ وأما قولك ولم تقبل يدى فإنى سمعت أمير المؤمني على بن أبى طالب يقول : لا يحل لرجل أن يقبل يد أحد إلا امرأته من شهوة أو ولده من رحمة ؛ وأما قولك لم تسلم على بإمرة المؤمنين فليس كل الناس راضين بإمرتك فكرهت أن أكذب ؛ وأما قولك ولم تكننى فإن الله سمى أنبيائه وأولياءه فقال : يا يحيى يا عيسى وكنى أعداءه فقال : ( تبت يدا أبى لهب وتب ) وأما قوالك : جلست بإزارى فإنى سمعت أمير المؤمني على بن أبى طالب يقول : إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل النار فانظر إلى رجل جالس وحوله قوم قيام -------------- بتصرف إحياء علوم الدين 3 / 178 - 184  

لقد أوجب القرآن الكريم على الولاة أن يحكموا بين الناس بالعدل وكذا كل إنسان وضع فى موضع التحكيم لقوله تعالى : ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ) النساء آية 58 وقال تعالى : ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذا القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى يعظكم لعلكم تذكرون ) النحل آية 90 روى عن عثمان بن مظعون أنه قال لما نزلت هذه الآية قرأتها على على بن أبى طالب فتعجب فقال : يا آل غالب إتبعوا تفلحوا فوا الله إن الله أرسله إليكم ليأكرمك بمكارم الأخلاق

قال بن مسعود : هذه أجمع آية فى القرآن لخير يمتثل ولشر يجتنب وحكى الناقاش قال : زكاة العدل الإحسان وزكاة القدرة العفو وزكاة الغنى المعروف وزكاة الجاه كَتْبُ الرجل إلى إخوانه اختلف العلماء فى تأويل العدل وافحسان فعن على بن أبى طالب قال : العدل الإنصاف والإحسان التفضل ؛ وقال بن عطية العدل هو كل مفروض من عقائد وشرائع فى آداء الأمانات وترك الظلم والإنصاف وإعطاء الحق والإحسان هو فعل كل مندوب إليه ؛

قال بن العربى : العدل بين العبد وربه إيثار حقه تعالى على حظ نفسه وتقديم رضاه على هواه والإجتناب للزواجر وامتثال للأوامر وأما العدل بينه وبين نفسه فمنعها مما فيه هلاكها قال تعالى ونهى النفس عن الهوى وعزوب الأطماع عن الإتباع ولزوم القناعة فى كل حال ومعنى ؛ وأما العدل بينه وبين الخلق فبذل النصيحة وترك الخيانة فيما قل وكثر ؛ والإنصاف من نفسك لهم بكل وجه ولا يكون منك إساءة إلى أحد بقول ولا فعل لا فى سر ولا فى علن ؛ والصبر على ما يصيبك منهم من البلوى وأقل ذلك الإنصاف وترك الأذى والإمام لابد أن يعدل فى المعاملة بين الرعية فلا يفضل أحدهما على الآخر لذلك قال الغزالى : إعلم أن المعاملة قد تجرى على وجه يحكم المفتى بصحتها و إنعقادها ؛ ولكن تشتمل على ظلم يتعرض به المعامل لسخط الله تعالى إذ ليس كل نهى يقتضى فساد العقد ------------- الجامع لأحكام القرآن 5- / 3892 

لقد اهتم النبي صلى الله عليه وسلم ببيان عدل الإمام لرعيته فقال : ( سبعة يظلهم الله فى ظله يوم لا ظل إلا ظله الإمام العادل وشاب نشأ فى عبادة الله ----) مسلم 4 / 1031 قال القاضى عياض فى الإمام العادل : هو كل من إليه نظر فى شئ من مصالح المسلمين من الولاة والحكام وبدأ به لكثرة مصالح وعموم نفعه -- مسلم بشرح النووى 7 / 102 وقال صلى الله عليه وسلم : ( إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن عز وجل وكلتا يديه يمين الذين يعدلون فى حكمهم وأهلهم وما ولوا ) مسلم 616 / 1827 فمعناه أن هذا الفضل إنما هو لمن عدل فيما تقلده من خلافة أو إمارة أو قضاء أو حسبة أو نظر على يتيم أو صدقة أو وقف وفيما يلزمه من حقوق أهله وعياله ونحو ذلك --- مسلم بشرح النووى 12 / 167 ولما بعث رسول الله معاذ إلى اليمن قال : ( إياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب )البخارى 1426 وعن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من طلب قضاء المسلمين حتى يناله ثم غلب جوره عدله فله النار ) أبو داود 3575

الزواج لغة : اقتران الزوج بزوجته وهو بمعنى الإزدواج والإرتباط يقال : زوج الرجل إبله أى قرن بعضها ببعض ومنه قوله تعالى : ( وإذا النفوس زوجت ) التكوير 7 أى قرنت بأبدانها يوم البعث ويدخل فى هذا المعنى اقتران الرجل بزوجته وارتباطه بها للإستئناس والإستمتاع والتناسل وقد زاع الزواج فى هذا المعنى وهو الكثير فى لغة القرآن ومنه قوله تعالى : ( ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله ) البقرة 235 أى عقد الزواج والفقهاء يستعملون لفظ النكاح فى هذا المعنى أكثر من لفظ الزواج ومن معانى النكاح الوطء والنكاح سنة معتادة يستمر به الحياة فى هذا الكون الذى يريد الله عمرانه ؛ فضلاً عن أن أمر الزواج فى دينينا الحنيف وهدى نبينا هو المحقق لمرضاة الله تعالى لهذا أمر رسول الله الشباب بالزواج 

عن عبد الله قال : قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ) البخارى 1905 ومسلم 548 والزواج هو أحسن وسيلة لإنجاب الأولاد وتكثير النسل واستمرار الحياة مع المحافظة على الأنساب التى يوليها الإسلام عناية فائقة وفى كثرة النسل من المصالح العامة والمنافع الخاصة ما جعل الأمم تحرص عليه أشد الحرص على تكثير سواد أفرادها بإعطاء المكافأت التشجيعية لمن كثر نسله وزاد عدد أبنائه وفى الزواج حماية للنفس من الإنذلاق فى وحل المعصية والوقوع فى شرك إبليس اللعين والتردى فى مهاوى الفساد فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج وفيه إيناس للنفس بالمجالسة والنظر والملاعبة راحة للقلب وتقوية له على العبادة وفيه تفريغ للقلب عن تدبير أمور المنزل والتكفل بشغله وتهيئة أسباب المعيشة ؛ وفيه مجاهدة للنفس ورياضتها بالرعاية والولاية والقيام بحق الأهل كما أن الزواج فى دينينا الحنيف سنة نبينا لهذا كان جواب رسو الله صلى الله عليه وسلم لأولئك النفر الذين سألوا أزواج رسول الله عن عمله فى السر فقال بعضهم : إنى لا أتزوج النساء وقال البعض : لا آكل اللحم وقال بعضهم : لا أنام على فراش فحمد الله وأثنى عليه وقال : ( ما بال أقوام قالوا كذا وكذا لكنى أصلى وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتى فليس منى ) الببخارى 5063 ومسلم 549 فى هذا الحديث ينهى رسول الله عن التبتل وهو الإنقطاع عن النساء وترك النكاح انقطاعاً للعبادة وأصل التبتل الإنقطاع ومنه مريم البتول وفاطمة البتول لانقطاعهما عن نساء زمانهما فضلاً عن الرغبة فى الأخرة فلا ينبغى لمسلم أن يحرم على نفسه ما أحل الله حيث قد وصف ذلك بالاعتداء ----- المصدر الزواج فى ضوء السنة 

القرآن الكريم

القرآن الكريم ، قراءه واستماع

شارك