الظلم هو من أعظم المفاسد لما يترتب عليه من ضياع حقوق الآخرين ؛ ولما كان الظلم والعدوان منافيين للعدل الذى قامت به السماوات والأرض وأرسل الله سبحانه رسله عليهم الصلاة والسلام وأنزل كتابه ليقوم الناس به كان من أكبر الكبائر عند الله وكانت درجته فى العظمة بحسب مفسدته فى نفسه وكان قتل الإنسان ولده الطفل الذى لا ذنب له وقد جبل الله سبحانه القلوب على محبته ورحمته وعطفها عليهم وخص الوالدين من ذلك بمزية ظاهرة فقتله خشية أن يشاركه فى مطعمه ومشربه وماله من أقبح الظلم وأشده وكذلك قتله أبويه اللذين كانا سبباً فى وجوده وكذلك قتله ذو رحمه وتتفاوت درجات القتل بحسب قبحه واستحقاق من قتله للسعى فى إبقائه ولهذا كان أشد الناس عذاباً يوم القيامة من قتل نبياً أو قتله نبى ومن قتل إماماً أو عالماً يأمر الناس بالقسط ويدعوهم إلى الله سبحانه وينصحهم فى دينه " 1" قال تعالى : ( يوم يعض الظالم على يديه ويقول يا ليتنى اتخذت مع الرسول سبيلا ) " 2" لما أعرض الناس عن تحكيم كتاب الله والسنة المحكمة والمحاكمة إليهما واعتقدوا عدم الإكتفاء بهما وعدلوا إلى الآراء والقياس والإستحسان وأقوال الشيوخ عرض لهم من ذلك فساد فطرتهم وظلمة فى قوبهم وغلبت عليهم حتى رَبَى فيها الصغير وهرم فيها الكبير فلم يروا منكراً فجائتهم دولة أخرى قامت فيها البدع مقام السنن والهوى مقام الرسل والنفس مقام العقل ؛ والضلال مقام الهدى والمنكر مقام المعروف ؛ والجهل مقام العلم ؛ والرياء مقام الإخلاص والباطل مقام الحق ؛ والكذب مقام الصدق ؛ والمداهنة مقام النصيحة والظلم مقام العدل فصارت الدولة والغلبة لهذه الأمور وأهلها هم المشار إليهم وكانت قبل ذلك لأضدادها وكان أهلها هم المشار إليهم فإذا رأت دولة هذه الأمور قد أقبلت وراياتها قد نصبت وجيوشها قد ركبت فبطن الأرض والله خير من ظهرها وقلل الجبال خير من السهول ومخالطة الوحش أسلم من مخالطة الناس؛ إقشعرت الأرض وأظلمت السماء و ظهر الفساد فى البر والبحر من ظُلم الفجرة ؛ وذهبت البركات وقلت الخيرات وهزلت الوحوش ؛و تكدرت الحياة من فسق الظلمة وبكى ضوء النهار وظلمة الليل من الأعمال الخبيثة والفعال الفظيعة وشكا الكرام الكاتبون والمعقبات إلى ربهم من كثرة الفواحش وغلبة المنكرات والقبائح وهذا والله منذر بسيل عذاب قد إنعقدت غمامه ومؤذن بليل بلاء قد ادلهم ظلامه فاعزلوا عن طريق هذا السيل بتوبة نصوح ما دامت التوبة ممكنة وبابها مفتوح " 3 " وانظر إلى فساد الظلمة من لهم غير الله أيحسب هؤلاء أن الله بعيد عنهم لا يعلم بظلمهم ولن يحاسبهم على ذلك ؟ لا والله بل إن الله يمهلهم حتى إذا أخذهم أخذهم أخذ عزيز مقتدر يقول صلى الله عليه وسلم : ( إن الله يُملى للظالم حتى إذا أخذه لم يُفلته ثم قرأ " وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهى ظالمة إن أخذه أليم شديد " ) "4 " وقال تعالى : ( ولا تحسبنَّ الله غافلاً عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار ) أى لا تحسبه إذا أنظرهم وأجلهم أنه غافل عنهم مهمل لهم لا يُعاقبهم على صنعهم بل هو يحصى ذلك عليهم ويعده عليهم عدا " 5 " قال تعالى : ( إنما السبيل على الذين يظلمون الناس فى الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم ) أى بعداوتهم عليهم فى قول أكثر أهل العلم قال بن جريج : أى يظلمونهم بالشرك المخالف لدينهم

قال بعض العلماء : إن من ظُلم وأُخذ ماله فإنما له ثواب ما احتثسب عنه إلى موته ثم يرجع الثواب إلى ورثته وكذلك إلى آخرهم ؛ لأن المال يصير بعده للورثة

قال أبو جعفر الداودى المالكى : هذا صحيح فى النظر وعلى هذا القول إن مات الظالم قبل من ظلمه ولم يترك شيئاً أو ترك ما لم يعللم وارثه فيه بظلم لم تنتقل تباعة المظلوم إلى ورثة الظالم لأنه لم يبقى للظالم ما يستوجبه ورثة المظلوم " 6 " قال تعالى : ( وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون ) " 7 "  فى هذا تهديد لمن انتصر بظلم أى سيعلم الظالمون كيف يخلصون من بين يدى الله عز وجل فالظالم ينتظر العقاب والمظلوم ينتظر النصر ومعنى " أى منقلب ينقلبون " أى مصير يصيرون وأى مرجع يرجعون لأن مصيرهم إلى النار وأقبح مصير ومرجعهم إلى العقاب هو شر مرجع " 8 "  قال صلى الله عليه وسلم : ( من كانت عندهه مظلمة لأخيه من عرض أو شئ فليتحلله اليوم من قبل أن لا يكون درهم ولا دينار إن كان له عمل صالح أُخذ منه بقدر مظلمته وإن كانت له حسنات أُخذ من سيئات صاحبه فحُمل عليه  ) " 9 " وقال صلى الله عليه وسلم : يقول رب العزة تعالى : ( يا عبادى إنى حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ) " 10 " قال العماء : معناه تقدست وتعاليت ؛ والظلم مستحيل فى حق الله سبحانه وتعالى كيف يجاوز سبحانه حداً وليس فوقه من يطيعه ؟ وكيف يتصرف فى غير ملك والعالم كله فى ملكه وسلطانه وأصل التحريم فى اللغة المنع فسمى تقدسه عن الظلم تحريماً لمشابهته للممنوع فى الأصل " وجعلته بينكم محرماً " أى لا تتظالموا والمراد لا يظلم بعضكم بعضاً وهذا توكيد لقوله تعالى " وجعلته بينكم محرماً " وزيادة تغليظ فى تحريمه " 11" قال صلى الله عليه وسلم : ( من ظلم قيد شبر من لم يجد له ناصراً غيرى ) "12 " وكان بعض السلف يقول : لا تظلم الضعفاء فتكون من أشرار الأقوياء " 13 "

عن أبى هريرة قال : مكتوب فى التوراة ينادى مناد من وراء الجسر " يعنى الصراط " يا معشر الجبابرة ويا معشر المترفين الأشقياء إن الله يحلف بعزته وجلاله أن لا يجاوز الجسر ظالم 0

عن جابر بن عبد الله قال : ( لما رجعت مهاجرة الحبشة عام الفتح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ألا تخبرونى بأعجب ما رأيتم بأرض الحبشة ؟ فقال : فتية كانوا منهم بلى يا رسول الله بينما نحن جلوس إذ مرت عجوز من عجائزهم تحمل على رأسها قلة من ماء فمرت بفتى منهم فجعل إحدى يديه بين كتفيه ثم دفعها فخرت المرأة على ركبتها وانكسرت قلتها فلما قامت إلتفتت إليه ثم قالت : تعلم يا غادر إذا وضع الله الكرسي وجمع الأولين والآخرين وتكلمت الأيدى والأرجل بما كانوا يكسبون سوف تعلم من أمرى وأمرك عنده غداً قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صدقت كيف يقدس الله قوماً لا يؤخذ من شديدهم لضعيفهم ) "14"

عن النبي صىلى الله عليه وسلم قال : ( من ضرب ضرباً ظلماً اُقتص منه يوم القيامة ) عن عمار بن ياسر قال : لا يضرب أحد عبداً له وهو ظالم له إلا أُقيد منه يوم القيامة

عن عبد الله بن سلام قال : إن الله تعالى لما خلق الخلق واستمروا على أقدامهم رفعوا رؤسهم إلى السماء وقالوا يا رب مع من أنت ؟ قال مع المظلوم حتى يؤدى إليه حقه "15"

عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( اتؤدونَّ الحقوق إلى أهلها حتى يُقاد للشاة الجماء من القرناء ) " 16" ومن الظلم المماطلة بحق عليه لإنسان مع قدرته على الوفاء ولقول النبى صلى الله عليه وسلم : ( مطل الغنى ظلم ) "17" عن عبد الله بن مسعود قال : ( يؤخذ بيد العبد أو الأمة يوم القيامة فينادى به على رؤوس الخلائق هذا فلان بن فلان من كان له عليه حق فليأت إلى حقه قال : فتفرح المرأة أن يكون لها حق على أبيها أو أخيها أو زوجها ثم قرأ ( فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتسألون " قال : فيغفر الله من حقه ما شاء ولا يغفر من حقوق الناس شيئاً فينصب العبد للناس ثم يقول الله لأصحاب الحقوق إئتوا إلى حقوقكم فيقول الله تعالى للملائكة خذوا من أعماله الصالحة فأعطوا كل ذى حق حقه بقدر طلبته فإن كان ولياً لله وفضل له مثقال ذرة وضاعفها الله تعالى له حتى يدخل الجنة بها وغن كان عبداً شقياً ولم يفضل له شئ فتقول الملائكة فنيت حسناته وبقى طالبوه فيقول الله خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته ثم صك له صكاً إلى النار ) " 18" ومن الظلم أن يستأجر أجيراَ أو إنساناً فى عمله ولا يعطيه أجرته لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ومن كنت خصيمه خصمته رجل أعطى بى ثم غدر ورجل باع حراً فأكل ثمنه ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه العمل ولم يعطيه أجرته ) " 19 " ومن الظلم مجاورة الظلمة  وحثهم على الظلم بأى وسيلة كانت ومدحهم على كبرهم وفجورهم وظلمهم للناس وهو الذين يجاورون الحكام فيوحون إليهم أن ما يفعلون بالناس من هتك للأعراض والأنفس هو العدل والحرية وغير ذلك وقد حذرنا الله منهم فقال : ( و لا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ) " 20 " أى تحرقكم بمخالطتهم ومصاحبتهم ومما لأتهم على إعراضهم وموافقتهم فى أمورهم وقال السدى : لا تداهنوا الظلمة " 21" والركون هنا السكون إلى الشئ والميل إليه بالمحبة 

قال ابن عباس رضى الله عنهما : لا تميلوا كل الميل فى المحبة ولين الكلام والمودة

قال عكرمة : هو أن يطعمهم ويودهم ؛ وقال ابو العالية : لا ترضوا بأعمالكم " فتمسكم النار " فيصيبكم لفحها " ما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تُنصرون " قال بن عباس : ما لكم من مانع يمنعكم من عذاب الله " 22"

قال بن عباس : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( سيكون أمراء يغشاهم غواش أو حواش من الناس يظلمون ويكذبون فمن دخل عليهم وصدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس منى ولست منه ومن لم يدخل عليهم ولم يعينهم على ظلمهم فهو منى وأنا منه ) " 23" قال تعالى : ( احشروا الذين ظلموا وأزواجهم ) "24"

عن سعيد بن المسيب قال : بنى جبار من الجبابرة قصراً وشيده فجاءت عجوز فقيرة فبنت كوخاً تأوى إليه فركب الجبار يوماً وطاف حول القصر فرأى الكوخ فقال : لمن هذا فقيل : لإمرأة فقيرة تأوى إليه فأمر به فهُدم فجاءت العجوز فرأته مهدوماً فقالت : من هدمه ؟ فقيل : الملك رآه فهدمه فرفعت العجوز رأسها وقالت : يا رب إذا لم أكن أنا حاضرة فأين كنت أنت ؟ قال : فأمر الله جبريل أن يقلب القصر على من فيه فقلبه " 25"

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- الداء والدواء 162

2- الفرقان آية 27

3- الفوائد لابن القيم الجوزى 57

4- مسلم 8 / 2583

5- سورة إبراهيم آية 42 -45

6- تفسير بن كثير 2 / 557

7- سورة الشورى آية 42

8- الجامع لأحكام القرآن للقرطبى 7 / 6087

9- سورة الشعراء آية 227

10- الجامع لأحكام القرآن 7 / 5034

11- البخارى 5 / 2449

12- مسلم بشرح النووى 16 / 113

13- البخارى 3 / 1496

14- البخارى 186

15-البخارى 181 فى الأدب المفرد

16- مسلم 2582

17- بن حجر فى مجمع الزوائد 152

18- الجامع لأحكام القرآن 6 / 4685

19- البخارى 2227

20- هود 113

21- الجامع لأحكام القرآن 4 / 3428

22- تفسير بن كثير 2 / 461

23- الترغيب والترهيب 3 / 196

24- الصافات آية 22

25- الكبائر 137

 

الحرام مأخوذة من حرَّم الشئ على نفسه أو على غيره جعله حراماً والحرام الممنوع من فعله " 1 " قال تعالى : ( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون ) " 2 "

عن بن عباس قال : هذا فى لرجل يكون عليه مال وليس عليه فيه بينة فيجحد المال ويخاصم إلى الحكام وهو يعرف أن الحق عليه وهو يعلم أنه آثم آكل الحرام ؛ قال قتادة : إعلم يا بن آدم أن قضاء القاضى لا يحل لك حرام ولا يحق لك باطلاً وإنما يقضى القاضى بنحو ما يرى وتشهد به الشهود والقاضى بشر يخطئ ويصيب ؛ وإعلموا أن من قُضى له بباطل أن خصومته لم تنقض حتى يجمع الله بينهما يوم القيامة فيقضى على المبطل للمحق بأجود مما قضى به للمبطل على المحق فى الدنيا " 3 "

قال قتادة نزلت الآية فى إمرئ القيس الكندى وفى عبدان بن أشوع الحضرمى وذلك أنهما اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فى أرض وكان امرئ القيس المطلوب وعبدان الطالب فأنزل الله تعالى هذه الآية فحكم عبدان فى أرضه ولم يخاصمه "4 " والخطاب فى هذه الآية يتضمن جميع أمة النبي صلى الله عليه وسلم ؛ والمعنى لا يأكل بعضكم مال بعض بغير حق فيدخل فى هذا القمار والخداع والغصوب وجحد الحقوق وما لا تطيب به نفس مالكه ح أو حرمته الشرعة وإن طابت به النفس كمهر البغى وحلوان الكاهن وأثمان الخمور والخنازير وغير ذلك يدخل فيه الغبن فى البيع مع معرة البائع بحقيقة ما باع لأن الغبن كأنه هبة ومن أخذ مال غيره  لا على وجه إذن الشرع  فقد أكله بالباطل ومن ا لأكل بالباطل أن يقضى القاضى لك و أنت تعلم أنك مبطل فاحرام لا يصير حلالاً بقضاء القاضى لأنه يقضى بالظاهر وهذا إجماع فى الأموال وإن كان عند أبى حنيفة قضاؤه ينفذ فى الفروج أولى " 5" 

عن أم سلمة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنكم تختصمون إلىَّ ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضى له على نحو مما أسمع منه فمن قطعت له من حق أخيه شيئاَ فلا يأخذه فإنما أقطع له به قطع من النار ) "6 " فى هذا الحديث دلالة لمذهب مالك والشافعى وأحمد وجماهير العلماء أن حكم الحاكم لا يحل الباطل ولا يحل حراماً فإذا شهد شاهد زوراً لإنسان بمال فحكم به الحاكم للمحكوم له ذلك المال ؛ ولو شهد عليه بقتل لم يحل للولى قتله مع علمه بكذبهما " 7 "

فى صحيح البخارى أن رسول الله قال : ( إن رجالاً يتخوضون فى مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة ) "8 " وفى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب ومطعمه من حرام ومشربه من حرام وملبسه حرام وغُذى بالحرام فأنى يُستجاب لذلك ) " 9 " وقال أيضاً : ( كل جسد نبت من سُحت فالنار اولى به فخشيت أن ينبت بذلك فى جسدى هذه اللقمة ) " 10 "

إعلم أن طلب الحلال فرض على كل مسلم وقد إدعى كثير من الجهال عدم الحلال وقالوا : لم يبقى منه إلا الماء الفرات والحشش النبات وما عدا ذلك فقد أفسدتهالمعاملات الفاسدة ؛ فلما وقع لهم هذا وعلموا أنه لا بد لهم من الأقوات توسعوا فى الشبهة والحرام ؛ وهذا من الجهل وقلة العلم " 11 "

عن النعمان بن بشير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات ) " 12 " أجمع العلماء على عظم وقع هذا الحديث وكثرة فوائده وأنه أحد الأحاديث التى عليها مدار الإسلام ؛ قال جماعة : هو ثلث الإسلام وأن الإسلام يدور عليه وسبب عظم موقعه أن رسول الله نبه فيه على إصلاح المطعم والمشرب والملبس وغيرهما وأنه ينبغى ترك الشبهات فإنه سبب لحماية دينه وعرضه وحذر من مواقع الشبهات " 13 " 

واعلم أن الحلال كله طيب وأن الحرام كله خبيث ولكن بعضه أخبث من بعض كما أن الطيب يحكم على كل حلو بالحرارة مثل ذلك الحرام المأخوذ بعقد فاسد حرام ولكنه ليس فى درجة المغصوب على سبيل القهر ؛ بل المغصوب أعلظ إذ فيه إيذاء الغير وترك طريق الشرع فى الإكتساب وليس فى العقود الفاسدة إلا ترك طريق التعبد فقط " 14 "

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- المعجم الوجيز ص 147

2-   البقرة آية 188

3- تفسير بن كثير 1 / 225

4- أسباب النزول ص 50

5- الجامع لأحكام القرآن للقرطبى 1 / 822

6- مسلم 12/ 1713

7- مسلم بشرح النووى 12 / 6

8- البخارى 6 / 3118

9- مسلم 7 / 1015

10- البخارى 7 / 3842

11- مختصر منهاج القاصدين 76

12- البخارى 53 ومسلم 1599

13- مسلم بشرح النووى 11 / 23

14- مختصر منهاج القاصدين 77

الحرابة أو قطع الطريق تُسمى عند فقهاء المسلمين السرقة الكبرى وهذه التسمية ترجع إلى أن قاطع الطريق يأخذ المال سراً ممن إليه حفظ الطريق وهو الإمام الأعظم ؛ كما أن السارق يأخذ المال سراً ممن إليه حفظ المكان المأخوذ منه وهو المالك أو من يقوم مقامه أما تسميتها كبرى فلأن ضرر قطع الطريق على أصحاب الأموال وعلى عامة المسلمين بانقطاع الطريق وضرر السرقة الصغرى يخص الملاك بأخذ مالهم وهتك حرزهم ولهذا غلظ الجد فى حق قطع الطريق "1" 

تعريف الحرابة : عرفها الأحناف بأنها الخروج على المارة لأخذ مالهم على سبيل المغالبة إذا أدى هذا الخروج إلى إخافة السبيل أو أخذ المال أو قتل إنسان سواء كان الخروج من جماعة أو من واحد له قوة قطع الطريق وسواء أكان القطع  بسلاح أم بغيره من العصى والحجر والخشب 

عرفها الشافعى بأنها البروز لأخذ مال أو لقتل أو إرهاب مكابرة اعتماداً على الشوكة مع البعد عن الغوث

عرفها مالك : بأنها إشهار السلاح لإخافة السبيل سواء قصد الجانى المال أم لم يقصده ؛ فمن خرج لقطع السبيل لغير المال فهو محارب وتكون الحرابة داخل السكن إذا دخل السارق مسلحاً ومعه قوة "2"

لقد نهى القرآن الكريم عن المحاربة لما فيها من ترويع الآمنين وقتل للنفس التى حرم الله إلا بالحق ؛ ولما يه من إهدار للحقوق ومفاسد تقع على المجتمع سواء أكانت مفاسد دينية أم سياسية أم إقتصادية وغير ذلك أما المفاسد الدينية وهو الدخول للشباب الذين ليس عندهم على بأمور الدين فيحاول المفسدون إفساد عقله بزعمهم أن المجتمعات المسلمة يجب تطهيرها من فئة معينة من الناس وإباحة دمائهم بزعم أنهم خارجون عن الإسلام فيندرج هؤلاء تحت طاعتهم يفعلون لهم ما يشاءون من إفساد وقتل وغير ذلك ؛ أما المفاسد السياسية هى خروجهم عن طاعة ولى الأمر وإفساد حياة الناس وهو ما يعبر عنه فى الفقه بالبغى لذلك يقول تعالى : ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فساداً أن يُقتَّلوا أو يُصَّلبوا أو تُقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو يُنفوا من الأرض ذلك لهم خزى فى الدنيا ولهم فى الآخرة عذاب عظيم ) "3"

عن أنس أن رهطاً من عكل وعُرينة أتوا رسول الله فقالوا : يارسول الله ( إنَّا كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف فاستوخمنا المدينة فأمر لهم رسول الله بذود وداع وأمرهم أن يخروجا فيها فشربوا من ألبانها وابوالها فلما صحوا وكانوا بناحية الحُرة فقتلوا راعى رسول الله واستقوا الذود فبعث رسول الله فى أثرهم فأتى بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم فتركوا فى الحرة حتى ماتوا على حالهم ) ,وفى البخارى قال جرير بن عبد الله : ( فبعثنى رسول الله حتى أدركناهم قد أشرفوا على بلادهم فجئناهم إلى رسول الله قال جرير : فكانوا يقولون : الماء ويقول رسول الله النار ) "4" وقد حكى أهل التواريخ أنهم قطعوا يد الراعى ورجليه وغرزوا الشوك فى عينيه حتى مات وأُدخل المدينة ميتاً وكان اسمه يسار وكان نوبياً وكان هذا الفعل من المرتدين سنة ست من الهجرة وفى بعض الروايات أن رسول الله أحرقهم بالنار بعدما قتلهم وقال صلى الله عليه وسلم : ( من سل علينا سلاحاً فليس منا ) "5"أما من حمله لقتال المسلمين بغير حق " فليس منا " أى ليس من طريقتنا وهدينا فإن طريقته صلى الله عليه وسلم نصر المسلمين والقتال دونه لا ترويعه وإخافته وقتاله وهذا فى غير المستحل فإن استحل القتال بغير حق فإنه يكفر باستحلاله المحرم القطعى "6" عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة ومات فميتته ميتة جاهلية ) ففى قوله " من خرج عن الطاعة " أى طاعة الخليفة الذى وقع الإجتماع عليه وكأن المراد خليفة أى قطر من الأقطار إذ لم يجمع الناس على خليفة واحد فى البلاد الإسلامية من أثناء الدولة العباسية بل استقل أهل كل إقليم بقائم بأمورهم " وفارق الجماعة " أى خرج عن الجماعة الذين اتفقوا على طاعة إمام وانتظم به شملهم واجتمعت به كلمتهم وحاطهم عن عدوهم "7" 

اما المفاسد الإقتصادية : فهى الإضرار بأصحاب الأموال والتجارة التى تقوم عليها حياتهم وكذلك الإضرار بمصالح البلاد بما يفعله هؤلاء من يبع للديار وقتل للآمنين بدون وجه حق

أركان الحرابة : 1- القاطع " الجانى " ويشترط فيه أن يكون عاقلاً بالغاً مختاراً غير مضطر وشرط أبو حنيفة أن يكون للجانى قوة القطع بالسلاح أو ما فى حكمه كالعصا لأن قطع الطريق يحصل بكل ذلك ؛ أما مالك والشافعى فلا يشترطان حمل السلاح ويكون عندهما أن يعتمد المحارب على قوته وسطوته " 4 " وعند مالك والشافعى وأحمد لا تشترط الذكورة فى المحاربة وعندهم أن المرأة فى المحاربة مثل الرجل يقام عليها الحد وأنها تخالف الصبى والمجنون لأنها مكلفة يلزمها القصاص وسائر الحدود فإذا ارتكبت الجريمة أُقيم عليها الحد "8" وعند أبى حنيفة الذكورة شرط يجب توافره فلا يقام الحد على المرأة لأن سبب العقاب فى هذه الجريمة هو المحاربة والمرأة بطبيعة حالها ليست محاربة 

2- المقطوع عليه " المجنى عليه " ويشترط قطع الطريق عليه وهو من المسلم على المسلم والذمى سواء وذلك لأن الله تعالى إنما نص على حكم من حاربه وحارب رسوله أو سعى فى الأرض فساداً ولم يخص بذلك مسلم عن ذمى " 9"

شروط الحرابة :

1- التكليف يشترط فى المحاربين العقل والبلوغ لأنهما شرطا التكليف الذى هو شرط إقامة الحدود ؛ فالصبى والمجنون لا يعتبروا واحداً منهما محارباً مهما اشترك فى أعمال المحاربة لعدم التكليف ولم يختلف فى ذلك واحد من الفقهاء

2- حمل السلاح : يشترط فى المحاربين أن يكون معهم سلاح لأن قوتهم التى يعتمدون عليها فى الحرابة إنما هى قوة السلاح

3- شرط الصحراء والبُعد عن العمران : فإن فعلوا ذلك فى البنيان لم يكونوا محاربين ولأن الواجب يسمى حد قاطع الطريق وإنما فى الصحراء لأن فى المصر يلحق الغوث أحياناً وقال بعض العلماء : حكمهم فى المصر حكم  الصحراء لأن الآية تناولت كل محارب فكان أولى أن يدخل فيها هذه العصابات التى تتفق مع العمل الجنائي من السلب والنهب

4- شرط المجاهرة : وهو أن يأخذ المال جهراً فإن أخذوه سراً فهذه سرقة "10 " 

عقوبة الحرابة

1- القتل 2- الصلب 3- تقطع الأيدى 4- النفى من الأرض وهذه العقوبات جاءت معطوفة بحرف أو قال بعض العلماء أن العطف للتخيير ومعنى ذلك أن للحاكم أن يختار عقوبة من هذه العقوبات حسب ما يراه من المصلحة

توبة المحاربين

إذا تابوا قبل القدرة عليهم وتمكن الحاكم من القبض عليهم فإن الله يغفر لهم ما سلف ويرفع عنهم العقوبة الخاصة بالحرابة وشملهم عفو الله وأسقط عنهم كل حق من حقوقه أما حقوق العباد فإنها لا تسقط عنهم وتكون عقوبتهم القصاص

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- شرح فتح القدير 4 / 168

2- حاشية الدسوقى 349

3- المائدة 33

4- تفسير بن كثير 2 / 332

5-البخارى 7070 ومسلم 99

6-سبل السلام 3 / 344

7-سبل السلام 345

8- كشف القناع 6 / 150

9- شرح فتح القدير 4 / 273

10- فقه السنة 2 / 296

قال تعالى : ( إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون فى الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم ) "1" والمكس فى اللغة : نقص الثمن والضريبة قدرها وجباها وماكسه فى البيع طلب منه أن ينقص الثمن والماكس من يأخذ المكس من التجار "2"

المكاس من أكبر أعوان الظلمة بل هو من الظلمة أنفسهم فإنه يأخذ ما لا يستحق ويعطيه لمن لا يستحق "3"

قال صلى الله عليه وسلم : ( لا يدخل الجنة صاحب مكس ) "4 " وما ذاك إلا أنه يتقلد مظالم العباد ومن أين للمكاس يوم القيامة أن يؤدى للناس ما أخذ منهم إنما يأخذون من حسناته إن كان له  " 5 "

وفى حديث الغامدية لما أرادت أن تطهر نفسها قال صلى الله عليه وسلم : ( مهلاً يا خالد فوالذى نفسى بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له ) "6 " فيه أن المكس من أقبح المعاصى والذنوب الموبقات وذلك لكثرة مطالبات الناس له وظلاماتهم عنده وتكرر ذلك منه وانتهاكه للناس وأخذ أموالهم بغير حق وصرفها فى غير وجهها "7 " والمكاس من فيه شبه قاطع الطريق وهو من اللصوص وجابى المكس وكاتبه وشاهده وأخذه من جندى وشيخ وصاحب راوية شركاء فى الوزر آكلون السحت والحرام "8"

قال صلى الله عليه وسلم : ( لا يدخل الجنة لحم نبت من السحت النار أولى به ) "9"

وقد ذكر السيوطى فى قوله تعالى : ( قل لا يستوى الخبيث والطيب ) "10 "

عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله عز وجل حرم عليكم عبادة الأوثان وشرب الخمر والطعن فى الأنساب إلا أن الخمر لُعن شاربها وعاصرها وساقيها وبائعها وآكل ثمنها فقام إليه أعرابى فقال : يا رسول الله إنى كنت رجلاً كانت هذه تجارتى اعتقبت من بيع الخمر مالاً فهل ينفعنى ذلك المال إن عملت فيه بطاعة الله ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : إن أنفقته فى حج أو جهاد أو صدقة لم يعدل عند الله جناح بعوضة إن الله لا يقبل إلا الطيب ) "11"

أين من حصن الحصون المشيدة واحترس وعمر الحدائق فبلغ وغرس ونصب لنفسه سرير العز وجلس ؛ وبلغ المنتهى ورأى الملتمس وظن فى نفسه البقاء ولكن خاب الظن وأزعجه هازم اللذات واختلس ونازله بالقهر فأنزل به عن الفرس ووجه إلى دار البلاء فانطمس وتركه فى ظلام ظلمة من الجهل الدنس "12"

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- التوبة آية 42

2- المعجم الوجيز 587

3- الكبائر 14

4- أبو داود 2937

5- الكبائر 94

6- مسلم 6 / 1695

7- مسلم بشرح النووى 11 / 168

8- الكبائر 95

9- الترمذى 614

10- المائدة 100

11- أسباب النزول 173

12- الكبائر 96

 

الحج لغة : القصد ؛ يقال : حجج إلينا فلان أى قدم وحجه يحجه أى قصد "1" وشرعاً : قصد بيت الله الحرام للنسك "2" والحج ركن من أركان الإسلام وفرض من فرائضه التى فرضها الله تعالى على المستطيع من عباده قال تعالى ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) "3" هذه آية وجوب الحج عند الجمهور وقيل ( وأتموا الحج والعمرة لله ) والأول أظهر "4" وقد وردت أحاديث كثيرة تبين أنه أحد أركان الإسلام ودعائمه وأجمع المسلمون على ذلك إجماعاً ضرورياً وإنما يجب على المكلف فى العمر مرة واحدة  بالنص والإجماع                                                      قال الإمام أحمد حدثنا يزيد بن هارون ثنا الربيع بن مسلم القرشى عن محمد بن زياد عن أبى هريرة قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( يا أيها الناس قد فُرض عليكم الحج فحجوا فقال رجل : أكل عام يا رسول الله ؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً فقال رسول الله لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ثم قال : ذرونى ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم وإذا أمرتكم بشئ فاتوا منه ما ستطعتم و إذا نهيتكم عن شئ فدعوه ) "5 " وروى مسلم عن بن عباس قال خطبنا رسول الله فقال : ( يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج فقام الأقرع بن حابس فقال : يا رسول الله أفى كل عام ؟ فقال : لو قلت نعم لو جبت ولو وجبت لم تعملوا بها ولن تستطيعوا أن تعملوا بها الحج مرة فمن زاد فهو تطوع ) " 6 " وقد اتفقت كلمة العلماء على فؤيضته من غير أن يشذ منهم واحد لذلك حكموا بكفر جاحده لأنه إنكار لما ثبت بالقرآن والسنة والإجماع وروى أنه لما حج آدم قاإلى ل له جبريل إن الملائكة كانوا يطوفون قبلك بهذا البيت بسبعة الآف سنة والمشهور أنه فرض فى السنة السادسة من الهجرة وقيل : السنة الخامسة من الهجرة "7"                                                                                                                                                    شروط وجوب الحج                                                           1- الإسلام : فلا يجب على الكافر وجوب مطالبة فى الدنيا فى حال كفره ولا ينافى أنه يجب عليهم وجوب عقاب فى الآخرة عقاباً زائداً على عقاب الكفر كما فى غيره من الواجبات ؛ ولا أثرلاستطاعته فى الكفر حتى لو أسلم وهو معسر بعد استطاعته فيه اعتبر استطاعة جديدة ؛ أما المرتد فيجب عليه وجوب مطالبة بأن يقال له : أسلم وحج عن استطاع قبل ردته أو فيها فإن أسلم معسراً واستقر فى ذمته بتلك استطاعتان إن مات بعد إسلامه ولم يحج حج عنه من تركته "8"                                                                                                                 2- البلوغ : فلا يجب على الصبى غير المكلف لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( رُفع القلم عن ثلاث عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبى حتى يحتلم وعن المجنون حتى يعقل "9 "            3- العقل : فلا يجب على مجنون لعدم تكلفه كالصبى                                                                                                                                                                             4- الحرية : فلا يجب على من فيه رق ولو مبعضاً لأن منافعه مستحقة لسيده وفى إيجاب الحج عليه إضرار بسيده ؛ ولأن الجمعة لا تجب عليه من قرب مسافتها مراعاة لحق سيده فالحج أولى "10 " 5- الإستطاعة : فلا يجب على غير المستطيع لقوله تعالى : ( ولله على الناس حج البيت لمن استطاع إليه سبيلا

الإستطاعة نوعان : 1- استطاعة مباشرة وهى أن يتمكن الإنسان من الحج والإعتماد بنفسه بأن يكون قادراً صحيح الجسم يمكنه السفر وأداء المناسك من غير ان يناله ضرر كبير أو مشقة وشروطها سبعة أ- وجود الزاد الذى يكفيه وأوعيته ومؤنة ذهابه لمكة ورجوعه منها إلى بلده "11" ب - وجود الراحلة التى تصلح له بشراء أو استئجار أو أجرة المثل ج- أمن الطريق وعناه أن يكون الحاج آمناً فى النفس والأهل والولد د- إمكان السير والمراد بهذا أن يبقى من الزمان بعد وجود الزاد والراحلة ما يمكن فيه السير المعهود إلى الحج ل- أن يخرج مع المرأة زوجها أو محرمها أو نسوة ثقات لأن السفر وحدها حرام و إن كانت فى قافلة لخوف استحالتها وخديعتها م - أن يثبت على الراحلة بلا ضرر شديد فمن لم يثبت أصلاً أو ثبت بضرر شديد لكبر أو غيره انتفى عنه الإستطاعة المباشرة ن- وجود الزاد وعلف الدابة بالحال التى يعتاد حملها منها وهو القدر اللأئق بذلك زماناً ومكاناً    "12"     

2- استطاعة الإنابة : وهى أن يملك المكلف من المال ما يكمنه إنابة غيره بالحج عنه فى حياته أو بعد مماته لعجزه عن المباشرة بنفسه ويشترط فيمن يحج عن الغير أن يكون ثقة أدى فريضته غير مغصوب فإن كان متطوعاً بالنسك اشترط كونه غير معولاً عن الكسب أو السؤال 

آداب الحج

ينبغى لمن أراد الحج أن يبدأ بالتوبة ورد المظالم وقضاء الديون وإعداد النفقة لكل من تلزمه نفقته إلى وقت الرجوع ويرد ما عنده من ودائع ويستصحب من المال الحلال ما يكفيه لذهابه ورجوعه من غير تقتير على وجه يمكنه معه التوسع فى الزاد والفق بالفقراء ويستصحب ما يصلحه كالسواك والمشط والمرآة والمكحلة ؛ ويتصدق بشئ قبل خروجه وإذا اكترى فليظهر للجمَّال كل ما يريد أن يحمله من قليل وكثير ؛ وقد قال رجل لإبن المبارك إحمل لى هذه الرقعة إلى فلان فقال : حتى أستئذن الجمَّال ؛ وينبغى أن يلتمس رفيقاً صالحاً محباً للخير معيناً عليه إن نسي  ذكَّره و إن ذكر أعانه وإن ضاق صدره صبَّره ؛ وليؤمر الرفقاء عليهم أحسنهم خُلقاً وأرفقهم بالأصحاب وإنما احتيج إلى التأمير لأن الآراء تختلف فلا ينتظم التدبير وعلى الأمير الرفق بالقوم والنظر فى مصالحهم وأن يجعل نفسه وقاية لهم وينبغى للمسافر تطيب الكلام وإطعام الطعام ؛ وإظهار محاسن الأخلاق فإن السفر يُخرج خفايا الباطن ومن كان فى السفر الذى هو مظنة الضجر حسن الخلق كان فى الحضر أحسن خُلقاً ؛ وقد قيل : إذا أُثنى على الرجل معاملوه فى الحضر ورفقاؤه فى السفر فلا تشكوا فى صلاحه وينبغى له أن يودع رفقاؤه وإخوانه المقيمين ويلتمس أدعيتهم ويجعل خروجه بكرة يوم الخميس وليصل فى منزله ركعتين قبل الخروج ويستودع أهله وماله ويستعمل الأدعية والأذكار المأثورة عند خروجه من منزله وفى ركوبه ونزوله وهى مشهورة فى كثير من الكتب فى مناسك الحج وكذلك جميع المناسك من الإحرام والطواف والسعى والوقوف بعرفة وغير ذلك من أعمال الحج يأتى فيها بما ذكر من الأذكار والدعوات والآداب وكل ذلك مستوفى فى كتب الفقه وغيرها فليطلب هناك "13 " 

الآداب الباطنة  

لا وصول إلى الله عز وجل إلا بالتجرد والإنفراد لخدمته وقد كان الرهبان ينفردون فى الجبال طلباً الأنس بالله فجعل الحج رهبانية لهذه الأمة فمن الآداب المذكورة

1- أن يكون خالساً فى حجه من تجارة الدنيا تشغل قلبه وتفرق همه ليجتمع على طاعة الله تعالى

2- أن يكون أشعث أغبر رث الهيئة غير مستكثر من الزينة

3- ينبغى تجنب ركوب المحمل إلا من عذر كى لا يتمسك على الزاملة فى حديث جابر رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله عز وجل يباهى بالحاج الملائكة فيقول : انظروا إلى عبادى أتونى شعثاً غبراً من كل فج عميق أشهدكم يا ملائكتى أنى قد غفرت لهم ) "14 " وقد شرف الله بيته وعظمه ونصبه لعباده وجعل ما حوله حرماً تفخيماً لأمره وتعظيماً لشأنه ؛ وجعل عرفة كالميدان على فنائه واعلم أن فى كل واحد من أفعال الحج تذكرة للمتذكر وعبرة للمعتبر ؛ فمن ذلك أن يتذكر بتحصيل الزاد الآخرة من الأعمال وليحذر أن تكون أعماله فاسدة من الرياء والسمعة فلا تصحبه ولا تنفعه كالطعام الرطب الذى يفسد أول منازل السفر فيبقى صاحبه وقت الحاجة متحيراً فإذا وطنه ودخل البادية وشهد تلك العقبات فليتذكر بذلك خروجه من الدنيا بالموت إلى ميقات القيامة وما بينهما من أهوال ؛ ومن ذلك أن يتذكر وقت إحرامه وتجرده من ثيابه إذا لبس ملابس الإحرام لبس كفنه وأنه سيلقى ربه على زى مخالف لزى أهل الدنيا ؛ وإذا لبى فليستحضر بتلبيته إجابة الله تعالى إذ قال : ( وأذن فى الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتينا من كل فج عميق ) ليرجى القبول وليخش عدم الإجابة ؛ ومن ذلك إذا رأى البيت الحرام استحضر عظمته فى قلبه وشكر الله على تبليغه رتبة الوافدين ؛ وإذا سعى بين الصفا والمروة ينبغى أن يمثلهما بكفتى الميزان وتردده بينهما فى عرصات القيامة ؛ أو تردد العبد إلى باب دار الملك إظهاراً لخلوص خدمته ورجاء الملاحظة بعين الرحمة وطمعاً فى قضاء حاجته ؛ أما الوقوف بعرفة فإذكر بما ترى فيه من ازدحام الخلق وارتفاع أصواتهم واختلاف لغتهم موقف القيامة واجتماع الأمم فى ذلك الموضع واستشفاعهم ؛ أما رمى الجمار فإقصد به الإنقياد لأمر الله وإظهار رق العبودية ومجرد الإمتثال من غير حظ النفس "15 "

4- أن تكون النفقة حلالاً

5- أن لا يعاون أعداء الله بتسليم المكس وهم الصادون عن المسجد الحرام من أمراء مكة والأعراب المتربصين فى الطريق فإن تسليم المال إليهم إعانة على الظلم وتيسيير لأسبابه عليهم فهو الإعانة بالنفس فليتلطف فى حلية الخلاص فإن لم يقدر فقد قال بعض العلماء : ولا بأس بما قاله إن ترك التنفل بالحج والرجوع عن الطريق أفضل من إعانته الظلمة فإن هذه بدعة أحدثت وفى الإنقياد لها ما يجعلها سنة مطردة وفيه ذل وصغار على المسلمين ببذل الجزية

6- التوسع فى الزاد وطيب النفس بالبذل والإنفاق من غير تقتير ولا إسراف بل عن اقتصاد وأعنى بالإسراف التنعم  بأطيب الأطعمة والترفه بشرب أنواعها على عادة المترفين 

7- ترك الرفث والفسوق والجدال والرفث اسم جامع لكل لغو وفحش من الكلام ويدخل فيه مغازلة النساء ومداعبتهنَّ والتحدث بشأن الجماع والفسق اسم لكل خروج عن طاعة الله تعالى ؛ والجدال : المبالغة فى الخصومة

ولقد لبس على جماعة من القاصدين إلى مكة فهم يضيعون الصلوات ويطففون إذا باعوا ويظنون أن الحج يدفع عنهم ؛ وقد لبس على قوم منهم فابتدعوا فى المناسك ما ليس منها فرأيت جماعة منهم يتصنعون فى إحرامهم فيكشفون عن كتف واحدة ويبقون فى الشمس أياماص فتكشط جلودهم وتنتفخ رؤوسهم ويتزينون بين الناس بذلك ؛ وقد لبس على قوم يدعون التوكل فخرجوا بلا زاد وظنوا أن هذا هو التوكل وهم على غاية الخطأ قال رجل للإمام أحمد : أريد ان أخرج إلى مكة على التوكل من غير زاد فقال الإمام أحمد : فاخرج من غير القافلة ؛ قال : لا معهم قال فعلى جراب الناس توكلت "16" 

من آفات الحج 1- المباهاة بالحج وذلك أنك ترى فى بعض الأحيان بعض الأثرياء الذين توافرت لهم الأموال الطائلة يقومون بآداء الحج عدة مرات وذلك من باب أن يقول للناس إنى قد حججت عدد مرات كذا وكذا ولكن الأولى أن يكون الحج مرة أو مرتين على الأكثر ثم يوجه ماله خدمة للمسلمين فى بناء المستشفيات أو تجهيزها وغير ذلك مما فيه منفعة للمسلمين

2- التعالى على الناس وذلك أنك غذا قلت له يا عم فلان قال لك : يا عم ؟إنى قد ذهبت مرات كذا وأنت تقول لى ياعم قل لى يا حج فلان

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المصادر

1- لسان العرب لابن منظور 

2- حاشية الباجورى على شرح بن قاسم 1 / 308

3- سورة أل عمران آية 90

4- تفسير بن كثير 1 / 385

5- أخرجه مسلم 1336

6- مسلم 1337

7- حاشية الباجورى 1 / 308

8- الجامع لأحكام القرآن للقرطبى 4 / 142

9- مرسل رواه أبو داود 3825

10- كفاية الأخبار 1 / 218

11- مغنى المحتاج 1 / 462

12- مغنى المحتاج 1 / 467

13- مختصر منهاج القاصدين 39

14- حسن بن خزيمة فى صحيحه 2840

15 - مختصر منهاج القاصدين 41

16- تلبيس إبليس 162

                   

 

                                                                                                                                                                                                               

 

 

 

 

 

 

هل تبحث عن شيء

القرآن الكريم

القرآن الكريم ، قراءه واستماع

النتيجة

السبت
21 5
نيسان/أبريل
شعبان
2018 1439

شارك


إضغط "أعجبني"
ليصلك جديد الموقع علي صفحتك علي الفيسبوك